حيدر حب الله
12
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الشائع اليوم ، أعني مرض خلط الأمور ببعضها : 1 - أن يراد من النقد ليس نقد القرآن نفسه أو السنّة ، بل نقدُ تفسيرٍ أو فهمٍ لهما ، وهذا ليس نقداً للقرآن حقيقةً ، بل هو نقد لهذا الفهم أو ذاك من الفهوم التي قال بها هذا العالم أو ذاك ، ومثل هذا النقد كثيرٌ بين العلماء والمفكّرين والمفسّرين والفقهاء والمحدّثين . 2 - أن يكون النقد لترجيح نظريّة على أخرى في فهم بُنية الخطاب الديني ( الوحي ) ، فمثلًا نحن نجد أنّ بعض الباحثين يرى أنّ قصص القرآن الكريم ( وكذا السنّة من حيث المبدأ ) غير مطابقة للواقع ، وأنّها تخالف حقائق التاريخ ، فهو يقوم بنقد القصّة تاريخيّاً لا لكي يقول بأنّ الله جاهل والعياذ بالله ، ولا لكي ينفي عن القرآن نسبة الوحي السماوي ، بل ليكتشف أو يقول بأنّ فهمنا للقصّة القرآنية هو فهم خاطئ ، فالقصص القرآني لم تُذكر لأجل الإخبار عن الواقع التاريخي ، بل هي - مثلًا - قصص تخيّليّة كلّها أو غالبها أو بعض فصولها وأحداثها ، لا لأنّ الله يكذب ، بل لأنّ القصّة ليست للتاريخ ، وإنّما للهداية والتأثير التربوي ، فكما أنّ الروائيين والقصّاصين الكبار في العالم يكتبون رواياتهم الأدبيّة المذهلة ولا نقول عنهم بأنّهم يكذبون ؛ لأنّهم ليسوا بصدد الإخبار ، كذلك الحال في النصّ القرآني تماماً ، فهو لا يريد الإخبار عن الواقع ، وإنما يخلق قصّةً بهدف التأثير الروحي والتربوي . فالنقد التاريخي للقرآن هنا لم يقع في سياق الردّ على الله ، وانما وقع في سياق تنزيه القرآن عن الخطأ ، ولهذا لو تراجعون ما كتبه الدكتور خلف الله في ( الفنّ القصصي في القرآن الكريم ) ، فستجدون أنّه اعتبر أنّ نظريّته هذه تشكّل جواباً قويّاً على المستشرقين حول إشكاليّاتهم في القصص القرآني ، فمثل هذا الشخص